الآخوند الخراساني

332

كفاية الأصول ( تعليق السبزواري )

لَكُم يُؤمِنُ بالله ويُؤمِنُ لِلمؤمنينَ ) ( 1 ) . فإنّه تبارك وتعالى مَدَحَ نبيَّه بأنّه يصدّق المؤمنين وقرنه بتصديقه تعالى . وفيه : أوّلا : أنّه إنّما مدحه بأنّه أذُن ، وهو ( 2 ) سريع القطع ، لا الآخذُ بقول الغير تعبّداً . وثانياً : أنّه إنّما المراد بتصديقه للمؤمنين هو ترتيب خصوص الآثار الّتي تنفعهم ولا تضرّ غيرهم ، لا للتصديق بترتيب جميع الآثار ، كما هو المطلوب في باب حجّيّة الخبر . ويظهر ذلك من تصديقه للنمّام بأنّه ما نمّه وتصديقه لله تعالى ( 3 ) بأنّه نمّه ( 4 ) . كما هو المراد من التصديق في قوله ( عليه السلام ) : « فصدّقه وكذّبهم » حيث قال - على ما في الخبر - : « يا أبا محمَّد ! كذّب سمعك وبصرَك عن أخيك ، فإن شهدَ عِندك خمسون قسامة أنّه قال قولا وقال : لم أقله ، فصدّقه وكذّبهم » ( 5 ) ، فيكون مراده تصديقه بما ينفعه ولا يضرّهم ، وتكذيبهم فيما يضرّه ولا ينفعهم ، وإلاّ فكيف يحكم بتصديق الواحد وتكذيب خمسين ! وهكذا المراد بتصديق المؤمنين في قصّة إسماعيل ( 6 ) ، فتأمّل جيّداً .

--> ( 1 ) التوبة / 61 . ( 2 ) أي : الأذُن . ( 3 ) وفي بعض النسخ : « وله تعالى » . ( 4 ) أي : ويظهر ذلك من أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) صَدَّق النمّام بأنّه لم ينم عليه ، وأخبره الله تعالى بأنّه نمّ عليه . وهذا إشارة إلى ما أورده القميّ في تفسيره على سبب نزول الآية . راجع تفسير القميّ 1 : 300 . ( 5 ) هذا مفاد الرواية . وراجع نصَّ الرواية في الكافي 8 : 147 . ( 6 ) عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز ، قال : كانت لإسماعيل بن أبي عبد الله ( عليه السلام ) دنانير ، وأراد رجل من قريش أن يخرج إلى اليمن ، فقال إسماعيل : يا أبه ! إنّ فلاناً يريد الخروج إلى اليمن وعندي كذا وكذا دينار ، أفتَرى أن أدفعها إليه يبتاع لي بها بضاعة من اليمن ؟ فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : « يا بنيّ ! أما بلغك أنّه يشرب الخمر ؟ » فقال إسماعيل : هكذا يقول الناس . فقال ( عليه السلام ) : « يا بنيّ ! لا تفعل » . فعصى إسماعيل أباه ودفع إليه دنانيره فاستهلكها ولم يأته بشيء منها ، فخرج إسماعيل وقضى أنّ أبا عبد الله ( عليه السلام ) حجّ ، وحجّ إسماعيل تلك السنة ، فجعل يطوف بالبيت ويقول : « اللّهم أجرني واخلف عليّ » ، فلحقه أبو عبد الله ( عليه السلام ) فهمزه بيده من خلفه وقال له : « مه ، يا بني ، فلا والله مالك على الله هذا ، ولا لك أن يأجرك ولا يخلف عليك ، وقد بلغك أنّه يشرب الخمر فائتمنته » . فقال إسماعيل : يا أبه ! أنّي لم أره يشرب الخمر ، إنّما سمعت الناس يقولون . قال ( عليه السلام ) : « يا بنيّ ! إنّ الله عزّ وجلّ يقول في كتابه : ( يُؤمنُ بالله ويؤمنُ للمؤمنين ) [ التوبة / 61 ] يقول : يصدق لله ويصدق للمؤمنين ، فإذا شهد عندك المؤمنون فصدّقهم ، ولا تأتمن شارب الخمر ، إنّ الله عزّ وجلّ يقول في كتابه : ( وَلا تُؤتُوا السُّفهاءَ أموالكُم ) [ النساء / 5 ] ، فأيّ سفيه أسفه من شارب الخمر ؟ إنّ شارب الخمر لا يزوّج إذا خطب ، ولا يشفّع إذا شفع ، ولا يؤتمن على أمانة ، فمن ائتمنه على أمانة فاستهلكها لم يكن للّذي ائتمنه على الله أن يأجره ولا يخلف عليه » . الكافي 5 : 299 ، الحديث 1 ; وسائل الشيعة 13 : 23 ، الباب 6 من أبواب أحكام الوديعة ، الحديث 1 .